أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

461

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عليه من الحلّ ، ويوضّحه قراءة ابن عباس : « كانت أحلّت لهم » . قوله : « كَثِيراً » فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه مفعول به أي : بصدّهم ناسا أو فريقا أو جمعا كثيرا . وقيل : نصبه على المصدرية أي : صدّا كثيرا . وقيل : على ظرفية الزمان أي : زمانا كثيرا ، والأول أولى ، لأنّ المصادر بعدها ناصبة لمفاعيلها ، فيجري الباب على سنن واحد ، وإنما أعيدت الباء في قوله : « وَبِصَدِّهِمْ » ولم تعد في قوله : « وَأَخْذِهِمُ » وما بعده لأنه قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولا للمعطوف عليه ، بل بالعامل فيه وهو « حَرَّمْنا » وما تعلق به ، فلمّا بعد المعطوف من المعطوف عليه بالفصل بما ليس معمولا للمعطوف عليه أعيدت الباء لذلك ، وأمّا ما بعده فلم يفصل فيه إلا بما هو معمول للمعطوف عليه وهو « الرِّبَوا » . والجملة من قوله تعالى : وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ : في محلّ نصب لأنها حالية ، ونظير ذلك في إعادة الحرف وعدم ما تقدّم في قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ « 1 » الآية . و « بِالْباطِلِ » يجوز أن يتعلق ب « أَكْلِهِمْ » على أنها سببية أو بمحذوف على أنها حال من « هم » في « أَكْلِهِمْ » أي : ملتبسين بالباطل . قوله تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ : جيء هنا ب « لكِنِ » لأنها بين نقيضين ، وهما الكفار والمؤمنون . و « الرَّاسِخُونَ » مبتدأ ، وفي خبره احتمالان : أظهرهما : أنه « يُؤْمِنُونَ » . الثاني : أنه الجملة من قوله : « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » . و « فِي الْعِلْمِ » متعلق ب « الرَّاسِخُونَ » . و « مِنْهُمْ » متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكنّ في « الرَّاسِخُونَ » . : « وَالْمُؤْمِنُونَ » عطف على « الرَّاسِخُونَ » ، وفي خبره الوجهان المذكوران في خبر « الرَّاسِخُونَ » ، ولكن إذا جعلنا الخبر « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » فيكون يؤمنون ما محلّه ؟ والذي يظهر أنه جملة اعتراض لأنّ فيه تأكيدا وتسديدا للكلام ، ويكون الضمير في « يُؤْمِنُونَ » يعود على الرَّاسِخُونَ » و « الْمُؤْمِنُونَ » جميعا ، ويجوز أن تكون حالا منهما ، وحينئذ لا يقال : إنها حال مؤكدة لتقدّم عامل مشارك لها لفظا ؛ لأنّ الإيمان فيها مقيد ، والإيمان الأول مطلق ، فصار فيها فائدة لم تكن في عاملها ، وقد يقال : إنها مؤكدة بالنسبة لقوله : « يُؤْمِنُونَ » ، وغير مؤكدة بالنسبة لقوله : « الرَّاسِخُونَ » . قوله : وَالْمُقِيمِينَ قراءة الجمهور بالياء ، وقرأ جماعة كثيرة : « والمقيمون » بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه ، ومالك بن دينار وعصمة « 2 » عن الأعمش ، وعمرو بن عبيد ، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق . فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها أقوال النحاة ، وفيها ستة أقوال : أظهرها : - وعزاه مكي لسيبويه « 3 » ، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوب على القطع ، يعني المفيد للمدح كما في قطع النعوت ، وهذا القطع مفيد لبيان فضل الصلاة فكثر الكلام في الوصف بأن جعل في جملة أخرى ، وكذلك

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 155 ) . ( 2 ) عصمة بن عروة أبو نجيح الفقيمي البصري . روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وروى أيضا حروفا عن أبي بكر بن عياش والأعمش ومعرور بن موسى . - - سئل عنه أبو حاتم فقال مجهول . انظر غاية النهاية ( 1 / 512 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 248 ، 249 ) .